للتنمية الروحية

الصليب... ضعف ...أم قوة؟

سألني صديقي المتشكك:

قد أقنع بل وأسعد بحياة المسيح المكرسة لخدمة البشرية، بل أيضًا تعجبني الموعظة على الجبل وتعاليم المسيح السامية وبالأخص في تقديم المحبة والبركة للأعداء.

لكن ما لا يمكنني أن أقنع به بل وأبغضه هو مشهد الصليب. قد أفرح بمشهد الشفاء للعمي والعرج والمرضى. وقد أفرح بهيبته وهو يعلم في حكمة وثقة أيضًا. لكني لا أقنع بمشهد الضعف والمهانة الموجودة في الصليب.

كيف يمكنني أن أراه في هذا المشهد البغيض معلقًا على خشبة مرفوعًا بين الأرض والسماء وسط المجرمين واللصوص؟! كيف يقف أمام الجميع ويسمح لنفسه بمثل هذه الإهانة؟!، ألم يقدر أن ينزل عن الصليب ويعلن قوته أمام الجميع؟ أظن أن هذا كان الحل الأمثل فيؤكد لنا أنه المسيح ابن الله صاحب السلطان والقوة. لا أن يظل على الصليب في مشهد الخزي والعار حتى يموت هذه الميتة البشعة! لقد مات في قمة الضعف بعد أن عاش في قمة القوة. أحب مسيح يوم أحد السعف، يوم أن جلس على جحش ابن أتان محاطًا بهتافات القوة. لكني لا أحب مسيح الصليب، حيث هذا المشهد البائس محاطًا بالجنود والمستهزئين والمعيرين.

وكل العجب إني أرى المسيحيين يفتخرون بهذا الصليب. بل ويأخذونه كعلامة على كنائسهم وزينة على صدورهم. هل لو قتلوا أبي بحبل المشنقة بحكم إعدام أذهب لأخذ هذا الحبل وأجعله علامة على صدري وأفتخر به. كان يجب إخفاء مشهد الصليب والبحث عن مشهد قوة واضح في حياة المسيح ليكون رمزًا نفتخر به ونسير خلفه. ألا ترى معي أننا نحتاج إلى مسيح قوي وليس مسيح مهان هكذا.
الرد:
قد يكون المنطق البشري والعيون البشرية يرى المسيح في مشهد الصليب في خزي وعار وهزيمة. لكن الحقيقة من يدرك ويعرف معنى الصليب وما يحمله من قوة وبركة لكل من يؤمن به لابد أن يفتخر بهذا المشهد. هذا ما أعلنه الرسول بولس للكنيسة في كورنثوس ولكنيسة اليوم أيضًا.

"فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله" (1كو1: 18).

"لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا" (1كو2: 2).

"لأني لا أستحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم اليوناني" (رو1: 16).

"أما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صلب العالم لي وأنا للعالم" (غلا6: 14).

ومن هذه الآيات نفهم ما تراه العيون هزيمة وانكسارًا يحمل في داخله انتصارًا وما تراه العيون مهانة وعارًا يحمل في داخله فخرًا واعتزازًا. وما تراه العيون قيودًا يحمل في داخله حرية كاملة. وما تراه العيون خزيًا وذلاً يحمل في داخله القوة والرفعة. كيف هذا؟

أولاً: لأن الصليب هو ثمن خطايانا. فأنا الخاطئ من كان يجب أن يموت. وأجرة الخطية هي موت. لكن مات المسيح بدلاً عنا ليدفع ثمن خطايانا، هكذا يهتف الرسول بولس بالروح القدس ليؤكد "لكن الله بين محبته لنا إذ ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رو5: 8)، "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16).

ثانيًا: لم يكن الصليب هو النهاية بل كان هو طريقًا لتحقيق عمل الله في الفداء وانتهى بالقيامة والحياة. انتهى المشهد بالقوة وكان فجر الأحد هو قمة الحياة وقمة الإعلان الإلهي عن إتمام أعظم قصة خلاص للبشرية بموت وقيامة المسيح ابن الله وها هو إنجيل خلاصنا كما أوضحه الكتاب المقدس "أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب" (1كو15: 3-4). فقوة الإنجيل أي البشارة المفرحة في موت الصليب وأيضًا القيامة بقوة الله في اليوم الثالث.

ثالثًا: الصليب هو أعظم إعلان لقوة الله وما تراه ضعفًا يحمل في طياته قوة الله المعلنة بوضوح بكل من يؤمن به. وهذا ما سأتحدث عنه في بقية المقال في سباعية قوة الله (قوة الله في سبع نقاط).

لماذا الصليب؟

1- الصليب قوة محبة الله: سيظل الصليب هو أعظم إعلان لحب الله للبشرية. فالحب المدعوم بالكلمات والمشاعر الرقيقة هو حب بلا ثمن. لكن الحب العملي هو المعلن بما يقدمه المحبوب لحبيبه. أما حب التضحية بالذات فهو حب غال جدًا لا نراه كثيرًا في عالم البشر. لقد أتى يسوع إلى عالمنا – الله أتى إلى أرضنا – لكي يذوق الموت بدلاً منا "لأنه ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو15: 13)، "الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه" (رؤ1: 5). لقد أحبنا حينما كنا أعداءه. هو أحب لكننا بادلنا الحب بالخطية والكراهية والبغضة (ومازلنا أيضًا)، لكنه مازال يحب لأنه محبة. "لأن من لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة" (1يو4: 9).

2- الصليب قوة الاتضاع الإلهي: ولا أجد كلمات أقوى من كلمات الروح القدس بفم الرسول بولس "فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضًا الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (في2: 5-8)، فالتنازل والاتضاع من سمات الكبار. والقوة ليست في الافتخار أو في التعالي والكبرياء عندما يكون لديك ما يدعوك لهذا. لكن القوة في الاتضاع عندما نكون في القمة. والله العالي العظيم القدير. أعلن قوته في الاتضاع والتنازل ليأتي في صورة إنسان ويعلق على الصليب ليتمم الخلاص للإنسان. فهذا يعلن قوة الاتضاع لأنه العظيم يتنازل ويتضع حتى الموت موت الصليب.

3- قوة احتمال الألم: لقد كان المسيح إنسانًا كاملاً كما إنه إله كامل. وفي جسم بشريته احتمل الآلام الجسدية العنيفة. فاحتمل جسده الجلد الروماني الذي يعتبرونه عقوبة نصف إعدام والجلد اليهودي. كما حمل صليبًا خشبيًا بوزنه الثقيل ليسير مسافة ما يقرب من 2 كم إلى أن سقط تحت حمله عدة مرات حتى اضطر الرومان الذين لا يعرفون معنى الرحمة تسخير سمعان القيرواني لهذا الحمل. لهذا يظل الصليب قوة لاحتمال آلام ومشقات برية هذه الحياة.

4- قوة الخلاص: لقد تم في صليب يسوع المسيح العمل الكفاري ووفى مطاليب العدل الإلهي ليقدم الخلاص لكل من يؤمن به. فصار لنا في الصليب خلاص من سلطان الخطية وعبوديتها "الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته (كو1: 13)، كما أيضًا خلاص من عقوبة الخطية وموتها "لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة" الأبدية" (يو3: 15)، وكل من يؤمن بيسوع المسيح كالمخلص والفادي ينال حياة أبدية ومستقبلاً أبديًا مشرقًا في السماء.

5- قوة الغفران الكامل: قدم المسيح على الصليب نفسه وسفك دمه الثمين لكي يغفر لي ولكل من يؤمن به غفران أبوي كامل ويصنع عن الخطايا التي أخطأنا بها في حق الله "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته" (أف1: 17)، "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا" (أع10: 43).

6- قوة التطهير والقداسة: واليوم يعطينا دم المسيح قوة متجددة للطهارة اليوم وهكذا يشهد الوحي المقدس: "ودم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية" (1يو1: 7)، فالدم الكريم المسفوك لأجلنا يقدم قوة للحياة بطهارة وقداسة "فكم بالحري يكون دم المسيح الذي بروح أزلي قدم نفسه لله بلا عيب يطهر ضمائركم من أعمال ميتة لتخدموا الله الحي" (عب9: 14)، وكلما نظرت إلى صليب يسوع المسيح أمتلك قوة جديدة للرجوع إلى الرب وفحص النفس للتوبة عن كل خطية والاغتسال بدم يسوع المسيح الذي يطهرنا من كل خطية ويعطينا القوة حتى نصمد أمام إغراء الخطية وقوتها لنعيش بالقداسة.

وهكذا نرى الصليب أنه قوة الله التي نعيشها اليوم. فالصليب ليس حدثًا نتذكره، لكنه قوة يمكننا أن نعيشها اليوم. إن آمنا به وقبلناه نمتلك قوته وإن رفضناه يظل بابًا مفتوحًا لنجاتنا وخلاصنا إلى اليوم الذي يعلن مجده ويأتي المسيح ثانية ويغلق باب النجاة والرجاء والنعمة ويصير كل العالم تحت قصاص من الله.

7- قوة الدينونة: فكما أن الصليب قوة للخلاص، فهو أيضًا قوة الدينونة لأن "الذي يؤمن به لا يدان والذي لا يؤمن قد دين لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (يو3: 18). فكل من لا يؤمن سينال العقاب الأبدي على خطية لأنه لم يستثمر فرصة النجاة والخلاص. فالعقاب بسبب الخطية وليس لسبب الرفض "لأن أجرة الخطية هي موت" (رو6: 23)، "والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله" (يو3: 36).

لهذا أدعوك قارئ العزيز أن تتمتع بهذه القوة الكامنة في صليب المسيح وتقبله كمخلص شخصي لحياتك. فيكون العيد فرصة للفرح الذي يبدأ ولا ينتهي.
وكل عام وأنتم بخير.
د. /إيهاب ألبرت


طباعة   البريد الإلكتروني

أحدث الاضافات

logo

المقر الرئيسي - جمعية شبرا

العنوان : 12 ش قطة – شبرا- القاهرة

التليفون : 27738065 2 02+

بريد الالكتروني : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجدنا في الفيسبوك

الانضمام إلى قائمة المراسلات

ادخل بريدك الإلكتروني للاشتراك في قائمة البريد الإلكتروني

الرجاء تعبئة الحقول المطلوبة.
الرجاء تعبئة الحقول المطلوبة.

بحث...